ابن الزيات
155
التشوف إلى رجال التصوف
فقال أبو شعيب : أين ذلك الرجل الذي سأل أن يوسع اللّه عليه ؟ فقام إليه ، فقال له : ادفع ذلك المال إلى هذا الرجل . فلما قبضه قال له أبو شعيب : اذهب الآن إلى المرسى واشتر السلعة التي تجدها هنالك وسافر بها . فذهب إلى المرسى فوجد قمحا فاشتراه وحمله في المركب وتوجه به إلى مالقة فباعه واشترى بثمنه تينا وغيره من السلع . فلما توسط البحر هال البحر واضطرب . فخفف أهل المركب مما عندهم ورموا في البحر جل ما عندهم خوف الغرق ؛ ثم انقلب الهواء وطاب البحر إلى أن حطوا بمرسى أزمور . فباع جميع ما كان عنده بألف ومائة دينار وجاء بالمال إلى أبى شعيب . فبعث إلى صاحبه ثم سأل أبو شعيب ذلك الرجل عن تجارته وما جرى له في سفره . فأخبره بكل شئ وأن جملة الربح ستمائة دينار . فتغير وجه أبى شعيب وقال له : لعلك لم تدفع للسائل الخمسة دنانير كلها التي أمرتك بدفعها له . فقال له : نعم ، إنما دفعت له ثلاثة فقط وقلت : أمسك الدينارين لعيالى لأنى لم يكن عندي غيرهما . فقال له أبو شعيب : ما أضعفك بيقين ! لو دفعت له الخمسة دنانير كلها لحصل لك في ربحك خاصة خمسمائة دينار ، ولكنك نفصت فنقص لك . فدفع إلى التاجر رأس ماله خمسمائة دينار وأخذ الربح الذي هو ستمائة دينار فقسمها بينهما بالسوية وأعطى كل واحد منهما ثلاثمائة دينار . وحدثني عبد الرحمن بن علي الصنهاجى قال : حدثني علي بن أبي عبد الخالق عبد العظيم بن أبي عبد اللّه بن أمغار ، عن أبيه قال : دخل أبو شعيب على أبى وأنا حاضر ، وكانت عادته إذا دخل بمكان لا يقعد حتى يصلى ركعتين ، وكانت عندنا حصر كثيرة فلم يسألنا عن الحصير الطاهر منها ومد يده إلى حصير فبسطه وصلى عليه . فقال أبى : انظر إلى فراسة أبى شعيب كيف اهتدى إلى الحصير الطاهر منها ولم يحتج إلى السؤال . وحدثني عبد الرحمن بن يوسف بن أبي حفص ، عن أبيه أن أبا حفص ذهب مع أبي شعيب في حاجة لأبى عبد اللّه بن أمغار ، فوصلا إلى عدوة وادى أزمور ثم رجعا . فقال أبو حفص لأبى شعيب : أرانا لم نعبر الوادي في ذهابنا ولا في إيابنا . فقال له أبو شعيب : ما دعاك إلى السؤال عن هذا ؟ إذا انتهى أحد إلى حاجته فلا فائدة في السؤال . قال أبو حفص : خرجت ليلة لأتوضأ في الوادي وكان البرد شديدا . فسمعت كلاما على بعد . فأممته ، فإذا رجل يتهدد ويوبخ ؛ فدنوت منه فإذا أنا بأبى شعيب قد رمى